صكوك الارتهان: من لسان ترامب إلى أكذوبة الاستقلال وصراع الأمم

كتب متعب المطيري

​لقد استوقفني مقطع فيديو لملك بريطانيا يرد على تصريح الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، الذي تجرد من كل أدوات الدبلوماسية المعهودة؛ والتي قال فيها ترامب: “لولا أمريكا لكانت لندن اليوم تتحدث الألمانية”.
​ورغم ما في هذه العبارة من فجاجة، إلا أنها تختزل حقيقة عارية لطالما سترتها أدبيات السياسة الدولية؛ حقيقة أن السيادة في هذا العالم ليست إلا “صك ارتهان” يوقع عليه الضعيف للقوي، حتى وإن كان الضعيف هنا هو الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس.


​أصل الحكاية: مقايضات الظل
​لقد توقف التاريخ طويلاً عند صيف عام 1940م، ليس بسبب دويّ المدافع فحسب، بل بسبب المقايضات التي كانت تُطبخ في الخفاء. فبينما كانت لندن تترقب الغزو الألماني، كان (هتلر) يرسل عروضه عبر الوسيط الإيطالي، عارضاً على بريطانيا سلاماً مسموماً؛ مفاده أن تحتفظ لندن بكيانها مقابل التنازل عن مستعمراتها التاريخية، أي: تفكيك روح الإمبراطورية مقابل بقاء جسدها.
​أدرك (ونستون تشرشل) حينها أن قبول عرض هتلر يعني الفناء الثقافي والسياسي والاقتصادي، والتحول إلى مجرد مقاطعة تدور في الفلك الجرماني. لكن تشرشل، “الثعلب الذي لا يؤمن بالمجان”، لم يرفض المقايضة من أجل الحرية، بل قرر تغيير المشتري!
​ذهب إلى (فرانكلين روزفلت) وفي جعبته عرضٌ لا يقل خطورة: دخول أمريكا الحرب وحماية لندن، مقابل منح واشنطن كل ما كان يطمح إليه هتلر وأكثر. لم تكن أمريكا لتقبل بالمحرقة من أجل سواد عيون الملكية البريطانية، بل كان الثمن توقيع “صك الارتهان الأكبر”؛ عبر فتح الأسواق أمام الدولار، وتسليم مفاتيح القواعد العسكرية، والتنازل عن السيادة في المستعمرات الحيوية. وهكذا، اختارت لندن أن تتحدث “الأمريكية” كـ شريك أصغر مرتهن.


​السعودية: من الهيمنة الإسترلينية إلى مظلة أرامكو
​لم يكن خروج الشركات البريطانية من السعودية طوعاً، بل كان عملية تسليم وتسلم منظمة للقوة العالمية الجديدة.
​في عام 1944م: ولد اسم (أرامكو) بهوية أمريكية؛ وهو العام الذي “تأمركت” فيه الهوية النفطية، بعدما كانت تنافسها بعض الشركات منذ عام 1933م.
​في عام 1945م: وعقب (اتفاقية النسبية) في يالطا، جرى التسليم الرسمي على متن السفينة (كوينسي)، ونزلت أول قاعدة أمريكية في الظهران.
​لقد تنازلت بريطانيا عن نفوذها النفطي والسياسي، ولم يتبقَّ لها من إرث الماضي في السعودية سوى “السياحة التعبدية” التي بقيت تحت إشرافها.


​إيران: بورصة الوكلاء وصراع التيجان
​أما في إيران، فقد كانت (اتفاقية النسبية) التي تبلورت في “مؤتمر طهران 1943” هي المحرك الأساسي؛ حيث مَثّل (مصدق) آنذاك الطموح الأمريكي لكسر الاحتكار القديم، بينما بقي (الشاه) حارساً للجناح البريطاني التقليدي، في حين اكتفى الاتحاد السوفيتي بحزامه الأمني في الشمال.
​انتهت فصول اللعبة الأولى بإسقاط (مصدق) بعد محاولته اليائسة الارتماء في أحضان المعسكر الشرقي، ليتم استبداله برجل أمريكا القوي (فضل الله زاهدي)، الذي وقّع صك تحويل إيران من مستعمرة بريطانية إلى “شركة مساهمة دولية” عبر (الكونسورتيوم 1954)، مانحاً واشنطن الحصة الكبرى.
​لكن بريطانيا، التي لا تغفر ضياع تيجانها، قادت انقلاباً مضاداً في 1955م أطاح بـ (زاهدي) وأعاد إيران إلى كنف التاج البريطاني مجدداً. استمر هذا الشد والجذب حتى عام 1979م، حين وُلد “زواج مصلحة” مفاجئ بين واشنطن وباريس لإخراج الشاه، غير أن هذا الزواج لم يدم طويلاً؛ فسرعان ما انقلبت فرنسا على الشريك الأمريكي، متمردة على شروط المقايضة، وجاءت بـ (الخميني) ودستوره الذي صيغ في ضواحي باريس.


​مصر: تقسيم المنديل وإحلال البدلة العسكرية
​في مصر، كانت الأمور تُدار وفق (اتفاقية المنديل) الشهيرة؛ حيث قررت واشنطن وموسكو ولندن أن النظام الملكي المرتبط بلندن قد استنفد أغراضه. تمت التضحية بالعرش ليحل محله النظام الجمهوري بقيادة (جمال عبد الناصر)، والذي مثل في جوهره الإرادة الأمريكية لإزاحة النفوذ البريطاني القديم.
​ورغم الشعارات القومية الصاخبة، ظل “التأميم” خطاً أحمر في جوهره؛ إذ بقيت عمالقة النفط البريطانية مثل (Shell) و(BP) كجيوب اقتصادية شاهدة على (اتفاقية النسبية)، بينما تُرك ملف التسليح العسكري بيد موسكو، ليتم توزيع الحصص والنفوذ بدقة بين الأقطاب الثلاثة.


​العراق: صراع الأجنحة المكسورة
​تحرك “الضباط الأحرار” في العراق عام 1958م بإيعاز ناصري لإسقاط المعقل البريطاني الأخير. إلا أن بريطانيا، بخبرتها العميقة، زرعت (عبد الكريم قاسم) لقطع الطريق على (عبد السلام عارف) —رجل أمريكا والوحدة— مما فجر الخلاف بينهما، وتم تحويل “صوت العرب” من القاهرة إلى سوط يجلد نظام قاسم الذي حاول التغريد خارج السرب الأمريكي.
​التمرد البريطاني وفخ فيتنام (1955-1964)
​تكمن الإجابة على عودة التمرد البريطاني في مستنقع فيتنام سنة 1955م؛ فحين غرقت أمريكا هناك، رأت لندن فرصة لـ “الانقلاب على المنقلب”.
​دعمت لندن التحركات السياسية في السعودية لاستعادة نفوذها.
​حاولت استعادة زخمها في إيران بالانقلاب على (فضل الله زاهدي).
​هذا التمرد هو ما دفع رجل أمريكا (عبد الناصر) لتأميم النفط في مصر —والذي نتج عنه العدوان الثلاثي— ودفعه أيضاً للوحدة السورية (1958م)، ثم شن هجومه على “الإمامية البريطانية” في اليمن (1962م)، والتي تزامنت مع أزمة الحكم في السعودية التي انتهت بتنصيب الملك فيصل؛ لتتحول الجغرافيا اليمنية إلى ساحة حرب بالوكالة بين الإرث البريطاني القديم والطموح الأمريكي الجديد.
​إنها “أكذوبة الاستقلال” وصراع الأمم.

زر الذهاب إلى الأعلى
Hide picture