الرهان الأخير السلفية المطورة في الاستراتيجية البريطانية

كتب متعب المطيري
في ظل التدافع المحموم بين القوى العظمى، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لبريطانيا التي فقدت أنيابها العسكرية المباشرة أن تحافظ على موطئ قدم في مستعمراتها القديمة أمام طغيان القوة الأمريكية والتمدد الصهيوني؟
إن الإجابة تكمن في قراءة مغايرة للواقع؛ فبريطانيا تدرك أن مواجهة التيارات المتطرفة الصاعدة في إسرائيل (الصهيونية الدينية)، والتيار اليميني المتطرف في أمريكا، لا يمكن أن تتم بأدوات ليبرالية باهتة أو تيارات وطنية مهتزة، بل بكتلة تاريخية صلبة تمتلك عقيدة قتالية وتنظيمية تضاهيها في الحدة وتتفوق عليها في الجذور.
1. سقوط الادوات القديمة: فشل الإخوان وانحسار الليبرالية
لقد أدرك الثعلب البريطاني أن الأدوات القديمة لم تعد صالحة لإدارة المرحلة. فمن جهة، أثبتت التيارات الليبرالية والعلمانية عجزها عن حشد الشارع أو الصمود أمام العواصف العقائدية. ومن جهة أخرى، وصل الرهان البريطاني على جماعة الإخوان المسلمين إلى طريق مسدود بعد انكشاف عجزهم، وشيطنتهم لدى الشارع، وانقسامهم القاتل :
الإخوان الراديكاليون (مرسي، بن كيران، حمادي الجبالي) الذين فشلوا في ممارسة الحكم واصطدموا بمؤسسات الدولة الصلبة.
الإخوان الليبرالي (الغنوشي، أبو الفتوح، العثماني) الذين ذابت هويتهم في برغماتية مفرطة أفقدتهم بريقهم الجماهيري ووزنهم العقائدي.
أمام هذا الفشل الذريع للمشاريع الإخوانية، كان لزاماً على بريطانيا استبدال الأداة
المنهكة بأدوات أكثر تماسكاً وقدرة على المواجهة الميدانية والسياسية
2. من الجيوش التقليدية إلى الأحزاب العقائدية
علمتنا التجارب أن المجموعات المشتتة تظل عرضة للاختراق والسحق؛ لذا، تتجه الرؤية البريطانية الجديدة نحو تطوير نموذج السلفية الحركية، ونقله من حالة الفوضى المسلحة والفكريه إلى حالة العمل الحزبي المؤسسي.
نحن نتحدث هنا عن استنساخ لتجربة الملك عبد العزيز بن سعود في بدايات التوحيد، ولكن بصيغة عصرية؛ (عبد العزيز حزبي) يمتلك كل أدوات الحزب الحديث من تنظيم سري وعلني، أذرع إعلامية، ومؤسسات اقتصادية، مدفوعاً بصبغة سلفية صلبة لا تقبل المساومة. هذا النموذج المطور يستلهم صلابته وانضباطه الهرمي من تاريخ الجماعة الإسلامية في مصر التي ورغم ما مرت به من مراجعات وانقسامات، تظل التيار الوحيد ذو الصبغة السلفية الذي امتلك خبرة مزدوجة في العمل الجهادي قديماً والعمل الحزبي لاحقاً، مع الحفاظ على هيكل تنظيمي صارم ، وكذلك السلفية الجهاديةالحركية في سوريا.
3. صراع الأجنحة والوكيل العقائدي
لماذا تراهن بريطانيا على هذا التيار تحديداً بعد استغنائها عن الإخوان؟
لأن صراع الأجنحة الدولي يتطلب وكيلاً لا يمكن شراؤه بالمال أو ترويضه بالمساومات السياسية، بل وكيلاً يرتبط بالمنطقة بـ جذور العقيدة. إن بريطانيا تهدف لخلخلة النفوذ الأمريكي الذي يعتمد على البرغماتية والصفقات السريعة عبر دعم نشوء هذه الأحزاب السلفية المطورة.
إن الحزب السلفي الحركي سيكون هو الحارس الجديد لمصالح الإمبراطورية القديمة خلف ستار المقاومة أو الاستقلال الوطني. وبينما يرى الشعب حزباً عقائدياً يواجه الخارج، يرى المخطط البريطاني أداة توازن استراتيجي تعيد له بريقه الذي خفت أمام الصعود الأمريكي.
الخلاصة
إن بريطانيا لن تستطيع الحفاظ على ما تبقى من نفوذها بالدبلوماسية التقليدية أو بالوكلاء الفاشلين. لذا، فإن صناعة الند عبر الحزب السلفي المطور هي استراتيجيتها القادمة لكسر الهيمنة الأمريكية ورسم حدود جديدة للمستعمرات القديمة بلغة العقيدة التي لا يفهمها الكاوبوي الأمريكي.
(انها اكذوبة الاستقلال وصراع الامم)



