في خضم الانقسام الذي لا أرى مبررا له حول العدوان الإيراني السافر على دولنا العربية، وعدوانه كذلك على ديننا وعقيدتنا وهويتنا وتاريخنا، ينبري بعض الناس للتهوين من الخطر الإيراني بتفسير غريب للآية الكريمة (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون)، ليجعل هذه الآية معيارا محكما لقياس مستوى العداوة والخطورة على مر الزمان واختلاف المكان. فكل عدو لم يرد اسمه في هذه الآية فهو الأهون عداوة والأهون خطرا!

‏وهنا سأكتفي بهذه الملحوظات السريعة

‏1-لم تشر الآية إلى الخطر الصليبي (الغربي)، والذي يمثل الصراع الأدوم والأكثر دموية وخطورة، منذ مؤتة واليرموك حتى الحروب الصليبية في الشام والأندلس والبلقان، ثم ملايين الضحايا في الجزائر وليبيا وكل دولنا الإسلامية التي خضعت للاحتلال الفرنسي والبريطاني والإيطالي والبرتغالي. وأخيرا الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق.

‏وما رافق هذه الحملات من (استشراق وتنصير وتغريب وحداثة وعلمانية وعولمة).

‏.

‏2-لا ننسى أيضا أن احتلال فلسطين من قبل عصابات اليهود إنما هو خطيئة من خطايا الصليبيين هؤلاء، حيث وعد بلفور، ثم الدعم المتواصل من قبل أمريكا والغرب كله

‏فأين موقع هذا الخطر كله في هذه الآية؟ ثم لو اعتمدنا ظاهر هذه الآية معيارا لمستوى العداوة والخطورة لوقعنا في تناقض مع الواقع الذي لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، ولذلك يرى عامة المفسرين أن الآية تتحدث عن (نصارى) معينين كانوا على عهده صلى الله عليه وسلم.

‏3-واجهت الأمة عبر تاريخها أعداء كثيرين بعناوين مختلفة منها (حركة المرتدين) التي كادت أن تعصف بالأمة كلها، و (الغزو المغولي) الذي دمّر ممالك الإسلام وأسقط خلافته، والذي جاء تحت عمامة الطوسي وخيانة الوزير العلقمي، وهناك حركة (القرامطة) التي ذبحت آلاف الحجيج وانتهكت حرمة الكعبة وسرقت الحجر الأسود. ولا ننسى وقوع تركستان (الإيغور) التي تزيد مساحتها على مساحة مصر تحت الاحتلال الصيني لحد الآن. وغير ذلك كثير، فأين موقع كل هؤلاء في هذه الآية؟

‏4-نأتي إلى اليهود، والذين لا يشك عاقل بشدة عداوتهم للإسلام والمسلمين، وقتلهم النبيين سابقا، ثم محاولاتهم لقتل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

‏لكن لو سردنا كل تاريخهم لوجدناهم أفشل شعب عرفته البشرية، فهم ربما الشعب الوحيد في العالم الذي لم ينجح في تكوين دولة محترمة، لا قبل الإسلام ولا بعده، ما عدا دولة النبيين الكريمين (داود وسليمان).

‏لقد تمكن نبوخذ نصّر من أسر اليهود جميعا إلى العراق، واستخدامهم كعبيد، كما استخدمهم فرعون مصر كعبيد أيضا.وغيرهما.

‏في عصر الرسالة، رغم كل عداوتهم، تمكن النبي من التخلص منهم قبيلة بعد قبيلة (قينقاع والنضير وقريظة) دون معارك. وحتى فتح خيبر حيث لم يخسر المسلمون سوى عدد قليل من الشهداء.

‏وبهذا أقفل ملف الصراع العسكري مع اليهود من ذلك اليوم حتى وعد بلفور

‏وفي كل تلك القرون لم يكن لليهود شأن يذكر، بل عاشوا أذلاء مشتتين، ولم يجدوا من يحميهم إلا المسلمين أنفسهم، حتى أنه لما طرد المسلمون من الأندلس هرب اليهود معهم خوفا من الصليبيين.

‏.

‏5-اليوم نعم يشكل اليهود خطرا حقيقيا على الأمة، وليس هذا بسبب قوتهم الذاتية، بل بسبب دعم الغرب لهم سياسيا وعسكريا واقتصاديا، ثم بسبب شتات أمتنا، وتغول الخطر الإيراني الذي دمّر دولا عربية محورية، وأوجد حالة من الانقسام والفوضى في جسد الأمة.

‏6- ومع كل هذا فإن الكيان الغاصب رغم شعاراته التوسعية لكنه أضعف وأجبن من أن يحقق ذلك، فهو كان قد احتل سيناء التي هي أكبر من فلسطين كلها، ثم انسحب منها وسلمها لمصر، وقد احتل غزة سابقا ثم انسحب منها وسلمها للفلسطينيين، ثم عاد إليها الآن بعد (الطوفان) ولا زال غارقا فيها، فكيف يتصور أن يبسط نفوذه المباشر على العراق وسوريا ومصر والأردن! إنه ببساطة يفتقر للموارد البشرية، على خلاف المشروع الإيراني.

‏والخلاصة أن الآية لا تتكلم عن موازين القوى، ولا القدرة على التمدد، وإنما تتكلم عن (العداوة) والحقد، وسياق الآية جاء في ظرف لم يكن للصليبيين ولا لفارس وجود عسكري في الجزيرة العربية بل كانت قبائل اليهود في يثرب وخيبر + قريش، من يشكل العقبة أمام الإسلام، حتى أن القبائل العربية المشركة لم يكن عندها ذلك العداء كما كان عند قريش، ولذلك بعد فتح مكة دخل العرب في دين الله أفواجا،

وقد جاءت الإشارة الدقيقة في الآية (لتجدن) إلى ذلك الظرف، وليس في الآية ما يشير أن هذا هو القانون الكلي الذي يحكم كل العلاقات مع دول العالم إلى قيام الساعة.

‏إن تضخيم قوّة اليهود بهذا الشكل الذي نسمعه من بعض المشايخ، وكأنهم هم من يحرك العالم، لا يسنده تاريخ ولا واقع، واقتطاع هذا النص القرآني من مجموع نصوص القرآن التي تؤكد جبن اليهود وحرصهم على الحياة، وغير ذلك، لا يستقيم مع أمانة العلم، ولا موضوعية البحث، ولا واجب النصح للمسلمين.

زر الذهاب إلى الأعلى
Hide picture